العلوم

تجربة علمية تتخطى الخيال: فيزيائيون يحولون الرصاص إلى ذهب في لمح البصر

2025-10-08

مُؤَلِّف: عبدالله

في إنجاز علمي غير مسبوق، أعلن فريق من العلماء في مؤسسة سيرن الأوروبية عن نجاحهم في تحويل الرصاص إلى ذهب، مستخدمين تقنيات نووية فائقة الدقة.

تتمثل التجربة في تصادمات نووية هائلة جرت بسرعات قريبة من سرعة الضوء، مما أعاد إلى الحياة حلم قديم لطالما سعى إليه البشر منذ قرون.

وعلى الرغم من أن الذهب المنتج لم يكن وفيرًا، فإن التجربة فتحت آفاقًا جديدة لفهم بنية المادة والتفاعلات التي شكلت الكون في لحظاته الأولى بعد الانفجار العظيم.

ونفذت التجربة في نفق ضخم يمتد بطول 27 كيلومترًا تحت الأرض، حيث تسارع نووي الرصاص ليصل سرعته إلى ما يقارب سرعة الضوء.

عند هذه السرعات المرتفعة، لا تتصادم النوى بشكل مباشر كما في التجارب التقليدية، بل تمر بالقرب من بعضها البعض في ما يسمى التصادمات المحيطية.

في تلك اللحظة الحرجة، تتولد النوى المتحركة التي تُصدر سيلاً من الفوتونات، وهي جسيمات الضوء.

تملك هذه الفوتونات طاقة كافية لنزع بروتونات من النواة.

بما أن عنصر الرصاص يحتوي على 82 بروتونًا في نواته، فإن فقدان ثلاثة بروتونات يعني تحويله إلى عنصر جديد يضم 79 بروتونًا - وهو الذهب.

تُعرف هذه العملية النادرة علميًا باسم "التفكك الكهرومغناطيسي"، وقد نجحت تجربة ALICE في رصدها لأول مرة.

يقول الفيزيائي ديمتريفا، أحد أعضاء الفريق: "هذه هي المرة الأولى التي نرصد فيها إنتاج الذهب داخل مصادم الهدروانات، وسنجري تحليلات تجريبية مباشرة للاحتفال بذلك".

لكن قبل أن يتخيل أحدهم أنه بإمكانه جمع ثروة جديدة من أعماق سيرن، يجب توضيح أن ما تنتجه التجربة ليس ذهبًا يمكن وزنه بسهولة. التحول كان آنياً ومجهريًا.

وفقًا لتقرير سيرن الرسمي المنشور في مجلة "Physical Review C"، فقد نتج عن التجربة الممتدة ثلاث سنوات نحو 86 مليون نواة ذهبية، لكن الكتلة الكلية لهذه النوى لم تتجاوز 29 تريليون جزء من الغرام.

ورغم كونه كميّة صغيرة، إلا أن الأهمية الحقيقية لهذا الإنجاز لا تكمن في إنتاج الذهب بحد ذاته، بل في تأكيد تنبؤات نظرية طويلة الأمد حول التفاعلات بين الفوتونات والنواة.

مثل هذه النتائج تساعد العلماء على فهم سلوك المادة في ظروف عالية الطاقة، مشابهة لتلك التي وُجدت في اللحظات الأولى من عمر الكون بعد الانفجار العظيم.

يوضح الفيزيائي جون جويت، أحد المشاركين في التجربة: "هذه النتائج تمنحنا أداة جديدة لاختبار وتحسين النماذج النظرية للتفكك الكهرومغناطيسي، مما يساعد على ضبط أداء المسرعات المستقبلية وتقليل فقدان الجسيمات أثناء التشغيل".

ما يجعل التجربة أكثر إثارة هو أنها لم تنتج الذهب وحده. بناءً على عدد البروتونات التي يتم نزعها من نواة الرصاص أثناء العمل، يمكن توليد عناصر أخرى مثل الزئبق والثاليوم.

وبالإضافة إلى ذلك، فإن استخدام كواشف درجة الصفر المتطورة في تجربة ALICE، مكن الباحثين من عد البروتونات والنيوترونات بدقة مذهلة، مما سمح لهم برسم خريطة دقيقة للتفاعل النووي الذي يحدث أثناء التحول.

هذا التحليل الدقيق يشبه نوعًا من "التحليل الجنائي الذري"، إذ يتيح تتبع التفاعلات النووية في ظروف كانت من المستحيل الوصول إليها سابقًا.

يجمع الإنجاز بين الماضي والأسطورة والعلم الحديث في مشهد واحد. حيث يواصل العلماء استكشاف أسرار المادة، ليس من دافع الطمع في الكنز، بل من أجل فهم ما يجعل الكون كما هو عليه.